المواطن الجزائري تائه بين الواقع البدائي وتقارير صحافة الجنرالات الخيالية
في زماننا هذا لم نعد بحاجة إلى حكايات “ألف ليلة وليلة” لنحلم بالمعجزات ولا إلى مصباح علاء الدين لنحقق أمانينا فقد تكفلت نشرات الأخبار الرسمية الخاضعة لاملاءات وسكريبت الجنرالات بالقيام بهذه المهمة بنجاح باهر! فبينما يعيش معظمنا في عالم الواقع اليومي حيث تعودنا أن نرى مسيرة التنمية والتطوير تسير على مهل و بسرعة سلحفاة عجوز لنفيق فجأة في صباح يوم عاصفي من عام 2026 على خبر يجبرك على فرك عينيك مرتين وثلاثاً فإعلام الصرف الصحي يخرج علينا بالبشرى الكبرى بلادنا انتزعت المرتبة الثالثة عالمياً في مؤشر التطور ضمن مؤشر الابتكار العالمي الصادر عن المنظمة العالمية للملكية الفكرية نعم كما قرأت تماماً عزيزي الزوالي فنحن القوة الضاربة التي تجلس بكل خيلاء وثقة فوق أعتى العروش الأكاديمية والعلمية في العالم.
دعونا نتأمل قليلاً في هول هذا المشهد المثير إنه خبر يتجاوز حدود الخيال ليصل إلى مناطق لم يطأها حتى أعتى كتاب السيناريو في بوليوود فكيف يمكن ألا نبتسم ابتسامة مريرة ونحن نتخيل اليابان برمتها بكل كواكبها التقنية وروسيا بمصانعها المتطورة الحديثة وفرنسا وكل دول الاتحاد الأوروبي ومجموعة البريكس بأكملها مجتمعة تحك رؤوسها في ذهول أمام هذا الغول الجزائري الجديد الذي نهض من الرماد وفاجأ الجميع؟ تخيل معي حسرة العلماء والباحثين في ماليزيا وجنوب إفريقيا وإسبانيا وهم يجلسون في مخابرهم يتساءلون: كيف غفلت أعيننا حتى تجاوزتنا هذه السلحفاة التي كنا نظن أنها نائمة وفي متناول الجميع؟ وما السر الخفي في هذا المزيج السحري للتعليم والابتكار لدينا؟ هل هي عبقرية الشاذ شنقريحة التي لم يكتشفها أحد حتى عام 2026 أم أن المنظمة العالمية للملكية الفكرية تقرأ المعطيات بنظارات مكبرة من نوع خاص لا نملكها نحن في الواقع؟ إن سحر المقارنة بين واقع البلاد المزري وباقي العالم يُبهر العقول والاذهان لكن الأجمل من الخبر نفسه هو تلك اللمسة الإعلامية التي تحول أي رقم خيالي إلى نصر تاريخي وتطبيل يتعدى الحدود الموروثة عن الاستعمار فالإعلام يهلل ويكبر ويرسم لنا اللوحة وكأننا أدينا الأمانة على أكمل وجه وتجاوزنا معضلات التعليم والأمية وبدأنا نصدر التكنولوجيا والابتكارات للعالم كما نصدّر ارجل الدجاج وافخاذ العاهرات الى آسيا وإفريقيا ومهما كانت التفاصيل الدقيقة للمؤشرات أو طريقة احتسابها فإن النتيجة المستخلصة رسمياً تُشعرك فوراً بأنك تعيش في قارة بدائية نائية لم يصل إليها البشر من قبل و في ختام هذه المأساة الكوميدية الجميلة لا يسعنا إلا أن نرفع القبعة لعمي تبون وحكومته المبجلة من اجل هذا الإنجاز الورقي المبهر الذي جعلنا نتفوق على أمم صرفت مليارات الدولارات على بحوثها وعقولها عبر العقود فإذا كانت التنمية الحقيقية تسير ببطء شديد وتصطدم بواقع مرير يعرفه الصغير قبل الكبير فإن “تنمية المؤشرات والإعلام” تطير بسرعة الصوت والصورة فهنيئاً لنا بعبقريتنا الفذة فمرتبتنا الثالثة عالمياً وحبذا لو يتكرم الإعلام الرسمي بتعليم باقي دول العالم كيف أسرعنا ونحن نائمون وكيف أزحنا اليابان وفرنسا بضربة معلم واحدة على شاشات التلفزيون التي هي في الأصل من صنع فرنسي وياباني وحتى الماليزي…
