النطق بالحكم في قضية الفساد بالشركة الوطنية للتنقيب عن المحروقات
أصدرت محكمة الشراقة، مساء اليوم الأحد، أحكامًا قضائية متفاوتة في ملف قضية، تتعلق بصفقات وأوامر شراء على مستوى الشركة الوطنية للتنقيب عن المحروقات «إينافور» (ENAFOR)، هي شركة جزائرية متخصصة في التنقيب عن المحروقات وحفر آبار النفط والغاز، وهي فرع تابع لمجمع سوناطراك، التي توبع فيها 7 متهمين، من بينهم إطارات بالشركة ومتعامِلون اقتصاديون.
حيث برّأت المحكمة اثنين من المتهمين “م.ع”و رعية سوري”ج.ا” من روابط التهم الموجّهة لهما، كما قضت المحكمة بادانة اثنين من المتهمين بـ18 شهرًا حبسًا منها 6 أشهر حبسا نافذة والباقي غير نافذة عن بعض التهم والبراءة من تهمة استغلال النفوذ واساءة استغلال الوظيفة.
كما قضت المحكمة بإدانة 3 موظفين آخرين متهمين في الملف بعام حبسا نافذاً منها 6 أشهر حبسا نافذة و الباقي غير نافذ.
كما قضت المحكمة بالزام المتهمين المدانين بدفع مبلغ 200 ألف دج تعويض عن الضرر مع مصادرة الهواتف النقالة، الحوامل المغناطيسية وبطاقات الذاكرة.
وواجه المتهمون تهما تتعلق باستغلال النفوذ وإساءة استغلال الوظيفة للحصول على امتيازات غير مبررة، ومنح والحصول مزية غير مستحقة، إلى جانب تحريض موظف عمومي على استغلال نفوذه للاستفادة من صفقات عمومية.
وتعود وقائع القضية إلى تحقيقات باشرتها مصالح الدرك الوطني، على خلفية معلومات بشأن وجود تجاوزات في إجراءات إبرام صفقات وأوامر شراء، مع الاشتباه في استعمال مناورات لتوجيهها لصالح متعاملين اقتصاديين مقابل الحصول على مزايا.
وكشفت التحريات عن تسجيلات صوتية ومراسلات متبادلة بين إطار سامٍ بالشركة وأحد المتعاملين الاقتصاديين، تضمنت، حسب ما ورد في الملف، محاولات لإقناعه بقبول عرض تجاري وتسهيل الإجراءات المتعلقة به، مع التأكيد على أن الصفقة تمثل فرصة لا تعوض. كما أظهرت التحقيقات إرسال جدول للأسعار الخاصة بالصفقة إلى المتعامل المعني.
وخلال المحاكمة، استهل دفاع بتقديم دفوعات شكلية تقضي ببطلان إجراءات المتابعة، مشككا في الأساس الذي استند إليه قرار الإحالة، ومؤكدا أن المصدر الذي استندت إليه معلومات التحقيق غير محدد في الملف، كما أثار غياب شكوى مسبقة من الهيئات الرسمية للشركات التي يكون رأسمالها عموميا أو مختلطًا. من جهته، التمس وكيل الجمهورية رفض الدفوع الشكلية، ليتم ضم الدفع للموضوع.
وفي رده على أسئلة المحكمة، أوضح المتهم الأول المدعو”س.أبوبكر” وهو إطار مسؤول عن الحفر بالمؤسسة الوطنية للتنقيب”اينافور”، أن طبيعة مهامه الميدانية تفرض عليه التنسيق مع مختلف المصالح والموردين لضمان نقل معدات الحفر من الآبار المتوقفة إلى مواقع أخرى، مشيرا إلى أن المؤسسة كانت تواجه ضغطا كبيرا بسبب توقف عدد من الآبار.
كما واجهته المحكمة بتصريحات سابقة أدلى بها أمام مصالح الدرك الوطني بشأن علم المسؤولين بالمفاوضات، وعلاقته ببعض المتعاملين الاقتصاديين، من بينهم المتهم” ص.بلال” و”ز.محمد”، ليرد بأنه يملك صلاحية اقتراح الموردين الذين يمكنهم تقديم الإضافة للمؤسسة، على أن تتولى المصالح المختصة دراسة العروض.
من جهته، نفى المتعامل الاقتصادي السوري المدعو “جاسم” وجود أي اتفاق غير قانوني، مؤكدا أنه يملك شركة مختصة في الخدمات والإنشاءات، لها 26 سنة من التواجد بالجزائر وله عقود عمل سابقة مع سوناطراك وأنه سبق له إيداع ملف يتضمن سيرته المهنية وعرضه المالي لدى الشركة قبل أشهر من الوقائع محل المتابعة إلا انه العرض رفض.
وأوضح المتهم أنه اعتاد التعامل مع المؤسسات الاقتصادية عبر البريد الالكتروني، مضيفا أنه لم يكن بحاجة إلى توجيهات من أي شخص، وأن الأسعار التي أرسلها كانت مرتفعة مقارنة بما هو معمول به، وهو ما حال دون إتمام العملية.
كما نفى اطلاعه على جدول الأسعار الذي أرسله إليه الإطار المتهم، رغم مواجهته بالمراسلات والتسجيلات الصوتية التي تضمنها الملف.
بدوره، أقرّ المتهم “ص. بلال” الشريك في شركة مقاولاتية، بمعرفته المسبقة بالمتعامل السوري، موضحا أنه هو من ربط الاتصال بينه وبين الإطار بالشركة الوطنية للتنقيب، بحكم معرفته بهما ومصالحه المهنية بمنطقة حاسي مسعود. وأكد أن دوره اقتصر على التعريف بالمتعامل ومحاولة إتاحة فرصة عمل له، نافيا ممارسة أي ضغط عليه لقبول العرض.
أما المتهم المدعو “ز. محمد”، الشريك في الشركة المقاولاتية رفقة المتهمان السابقان، فأكد أنه لا يعرف الإطار المسؤول بحفر الآبار بشركة التنقيب، بينما تربطه معرفة سابقة بالمتعامل السوري، مشيرا إلى أنه كان على علم بالعرض الذي تقدم به هذا الأخير قبل أن يتراجع عنه.
كما واجهت المحكمة المتهم “ط، ب” بمراسلات عبر تطبيق “واتساب”، تضمنت تبادل وثائق تجارية، من بينها السجل التجاري والبطاقة الجبائية، إلى جانب رسائل تتعلق بمصير العرض المقدم من المتعامل السوري.
وفي السياق ذاته، استمعت المحكمة إلى المتهم “ب.م”، رئيس دائرة النقل بالشركة، الذي أوضح أن إجراءات أوامر الشراء تدخل ضمن اختصاص المصالح المعنية، مؤكدا أن دوره يتمثل في استقبال العروض وتحويلها إلى الجهات المختصة.
وبخصوص علاقته ببعض المتهمين، أقرّ بمعرفته ب”ص. بلال” والتقائه به في مناسبتين خارج مقر العمل، فيما نفى معرفته بالمتعامل السوري، موضحا أن المؤسسة كانت بحاجة إلى موردين لتلبية احتياجاتها، خاصة في ظل النقص المسجل في بعض المعدات والوسائل الخاصة خاصة بعد مشروع النيجر.
كما أكد أن المتعامل السوري لم يتمكن من الحصول على الطلبية، بسبب ارتفاع عرضه المالي، نافيا أن تكون المؤسسة قد أبرمت معه صفقة في نهاية المطاف.
من جهته، أوضح المتهم السابع، المكلف بإجراءات أوامر الشراء، أن المؤسسة تعتمد إجراءات داخلية خاصة بالاقتناءات التي تقل قيمتها عن 700 مليون سنتيم، تسمح، بحسب تصريحاته، باللجوء إلى مورد واحد أو أكثر، وفق طبيعة الحاجة والاستعجال. وأنه رغم ذلك تواصل مع ثلاث موردين وتلقى رد من مورد واحد فقط ولم يكن المتعامل السوري ضمنه.
وأضاف أن مديرية النقل كانت تواجه ضغطا كبيرا بسبب، خاصة بعد طلب رفع إنتاج البترول في ظل ازمة مضيق هرمز وأن المتهم الاول” س.أ” هو من أحال المتعامل السوري عليه عبر البريد الإلكتروني، بالنظر إلى ما يتوفر عليه من مؤهلات وخدمات، مؤكدا أن المفاوضات لم تنته بإبرام أي طلبية، بسبب ارتفاع الأسعار المقترحة.
في المقابل، ركز دفاع المتهم الأول على الظروف المهنية والاستثنائية التي أحاطت بالوقائع، مشيرًا إلى أن موكله كان مكلفًا بمهام ميدانية تتعلق بصيانة الآبار ونقل معدات الحفر، في وقت كانت المؤسسة تواجه ضغطًا لتفادي توقف الإنتاج.
وأوضح الدفاع أن موكله كان يسعى إلى توفير المعدات والخدمات الضرورية لاستئناف النشاط، معتبرًا أن التواصل عبر تطبيق «واتساب» كان وسيلة عملية لتسريع الإجراءات، في ظل الخسائر التي قد تتكبدها المؤسسة جراء توقف الحفارات.
وأضاف أن موكله لم يكن صاحب القرار النهائي في منح الطلبية، وأن العرض المقدم من المتعامل السوري لم يُقبل بسبب ارتفاع أسعاره، ملتمسًا إفادته بالبراءة.
وأجمعت هيئة دفاع المتهمين إلى ان الملف استند فيه على شبهة فساد وأن الملف جاء خال من اي دليل مادي يشير إلى وجود خروقات في ابرام الصفقات العمومية وركز الدفاع إلى. القانون الداخلي الخاص بابرام العقود والاس تخول اتخاذ الإجراءات في الصفقة التي تساوي أو تقل عن 700 مليون سنتيم.
كما اكد الدفاع إلى ان التحقيقات لم تتوصل لتسليم أو تسليم أي واحد من المتهمين لمزية غير مستحقة وأن كل ذلك بني على استنتاجات فقط.
كما اكد أن الشركة الوطنية للتنقيب أكدت عدم تعرضها لأي ضرر مادي وطالب لاستعاد طلبات الطرف المدني مستغربة الحديث عن ضرر معنوي خاصة ان المورد لم يحصلعلى الصفقة ولم يبرم العقد معه.
دفاع المتهم السوري أكد أن موكله له خبرة 26 سنة عمل بالجزائر، الوحيد الذي يملك حفريات على المستوى الوطني وأن رفض طلبه كان بسبب السعر الذي قدمه، طالب الدفاع بافادة جميع المتهمين بالبراءة.
وامام كل ما تقدم من معطيات، التمس ممثل الحق العام تسليط عقوبة 10 سنوات حبسًا نافذًا مع مليون دينار غرامة مالية ضد كل واحد من المتهمين قبل أن تقضي المحكمة بإصدار الأحكام السالف ذكرها.
