هل التعرض للقليل من الجراثيم يزيد مناعة الطفل؟ وماذا يعني “التدريب المناعي”؟
رعاية وتغذية طفلك والاهتمام بنظافته أولى خطوات المحافظة على صحته، بجانب أهمية أن كل شيء من حولنا لابد أن يحمل قدراً كبيراً من النظافة. لهذا تهتم معظم الأمهات بضرورة تطهير جميع الأسطح في المنزل، أو إرسال الطفل إلى المدرسة وبحقيبته زجاجة الجل المطهر المضاد للبكتيريا للحفاظ على نظافة يديه.
في مقابل هذه العادات الطيبة، تشير الأدلة العلمية أن التعرض لقليل من الجراثيم قد يكون مفيداً لصحة الأطفال؛ حيث إنها تُساعد على تقوية وتطوير أجهزة مناعتهم، وقد يُقلل من خطر إصابتهم بالحساسية وأمراض المناعة الذاتية، والتزود ب ” الذاكرة المناعية”!
اللقاء والدكتور طبيب الأطفال للتعرف إلى إجابة السؤال الحائر: هل القليل من البكتيريا يقوي مناعة الطفل.. أم هي خرافة شعبية؟
حقائق تعرّفي إليها:
أطفال يلعبون في الهواء الطلق
الطين ليس مجرد مزيج من التربة والماء، بل هو نظام بيئي معقد مليء بالكائنات الدقيقة؛ جرام واحد من التربة قد يُؤوي ما يصل إلى 10 مليارات من الكائنات الدقيقة المختلفة المحتملة.
تلعب المجموعة المتنوعة من البكتيريا والفطريات والميكروبات الأخرى الموجودة في الطين والتربة دوراً حاسماً في صحتنا، ما يُطلق عليه علماء المناعة «التدريب المناعي».
الجهاز المناعي شديد التكيف في مرحلة الطفولة، يتعلم تحقيق التوازن؛ فيستجيب بقوة لمحاربة الجراثيم الضارّة ، مع ترك المواد غير الضارّة، مثل حبوب اللقاح أو جزيئات الطعام، و نقص هذا التدريب قد يُضعف جهاز المناعة.
التزام جميع الأمهات الواعيات ب «فرضية النظافة»، في مقابل ازدياد تحضر المجتمعات وتعقيمها، تُحرم أجهزة الطفل المناعية من التحديات الميكروبية التي تحتاجها للنمو بشكل سليم.
نقص التعرض للميكروبات بمرحلة الطفولة المبكرة، قد يؤدي إلى زيادة احتمالية الإصابة بنزلات البرد الشائعة وأمراض الطفولة الأخرى؛ بسبب عدم تدريب جهاز المناعة بشكل صحيح.
نقص هذا التدريب المناعي سبب زيادة احتمالية إصابة الأطفال الذين ينشأون في بيئات معقمة (مثل المدن ذات التعرض المحدود للحيوانات أو الطبيعة) بأمراض مثل الربو وحساسية الطعام بنسبة تصل إلى 50%.
الأبحاث تُظهر أن الأطفال الذين نشأوا في بيئات ذات مستويات عالية من التعرض للميكروبات- مثل المزارع أو المنازل التي تضم حيوانات أليفة- أقل عرضة للإصابة بالحساسية أو أمراض المناعة الذاتية.
يساعد التعرض للميكروبات الأطفال أيضاً على تطوير خلايا الدم البيضاء التي تتحكم في كيفية استجابة الجهاز المناعي للأجسام الغريبة.
خرافة لها جذور علمية
طفلتان تلعبان في الهواء وسط الطبيعة
سيدتي الأم: هذه المقولة ليست مجرد خرافة شعبية، بل لها جذور علمية قوية تُعرف بـ “فرضية النظافة”؛ فالعلم يؤكد أن التعرض “المعتدل” للجراثيم والميكروبات الموجودة في البيئة الطبيعية (مثل التراب) هو جزء أساسي من تدريب الجهاز المناعي للطفل.
يحتاج جهاز المناعة في مرحلة الطفولة إلى “التدريب” ليتعلم التمييز بين المواد الضارّة وغير الضارّة، واللعب في التراب مثلاً يساهم في تعزيز المناعة؛ حيث تعمل هذه الميكروبات الموجودة في التربة كأداة للتعرف إلى الأجسام الغريبة والتعامل معها بفعالية.
عندما يتعرض الطفل لميكروبات بسيطة في الصغر، يتعلم جهازه المناعي التمييز بين المواد الضارّة والمواد غير الضارّة، وهذا التعرض المبكر يساعد في تكوين “ذاكرة مناعية” تعمل كـ “تطعيم طبيعي” يحمي الطفل من العدوى المستقبلية.
تقليل خطر الحساسية: التعرض المبكر للميكروبات يقلل من احتمالية إصابة الطفل بالحساسية والربو وأمراض المناعة الذاتية، لأن الجسم يتعود على وجود هذه المواد ولا يبالغ في رد فعله تجاهها.
تنوع البكتيريا النافعة: غرام واحد من التربة قد يحتوي على مليارات الكائنات الدقيقة التي تساهم في بناء ميكروبيكم صحي للطفل، وهو أمر ضروري للصحة العامة.
متى تتحول الخرافة إلى حقيقة؟
طفل يقترب من أخيه المريض-
خرافة أن “كل اتساخ مفيد”: تتحول الحقيقة إلى خرافة أو خطر عند غياب التوازن؛ هناك فرق بين “التراب الطبيعي” وبين “الملوثات الكيميائية” أو “الفضلات” أو “المياه الملوثة”؛ التعرض للأخيرة لا يقوي المناعة بل قد يسبب أمراضاً خطيرة مثل الطفيليات المعوية والتهاب الكبد.
العدوى الفيروسية الشديدة: خطأ كبير يعتقده البعض وهو: أن تعامل أو اقتراب الطفل من أطفال مصابين بأمراض فيروسية قوية يقوي مناعته، هنا يحذر العلم من ذلك؛ لأن بعض الفيروسات قد تسبب مضاعفات دائمة.
كيف توازن الأم بين العلم والنظافة؟
اتركي طفلك يلعب في الطبيعة: اللعب في الرمل أو الطين تحت الإشراف مفيد لتطوير المناعة.
لا تبالغي في المعقّمات: الاستخدام المفرط للمنظفات المضادّة للبكتيريا يقتل الجراثيم النافعة والضارّة معاً، مما يترك الجهاز المناعي “خاملاً” وغير مدرّب.
غسل اليدين بذكاء: يجب توجيه الطفل لغسل اليدين قبل الأكل، وبعد استخدام المرحاض، أو عند العودة من أماكن عامة مزدحمة، لكن لا داعي للهوس بالتعقيم طوال الوقت أثناء وجوده في المنزل.
التغذية السليمة: المناعة لا تعتمد فقط على “الاتساخ”، بل تتطلب تغذية صحية ونوماً كافياً.
اتركي طفلَك يلعب بالطين
طفل يقود عجلته وسط الطين-
اسمحي لطفلك باللعب في الحدائق أو الغابات والتعامل مع التربة والنباتات؛ اللعب بالطين ليس مجرد نشاط خارجي فوضوي، فهو يوفر تجارب حسية أساسية- مثل اللمس والشم والتعامل مع مختلف انواع القوام- مما يحفز نمو الدماغ ويعزز المرونة العاطفية.
اتركي طفلك يلعب بالطين؛ فهو نشاط حسي يقلل من التوتر لدى الأطفال، وهو عنصر أساسي آخر في الحفاظ على أداء جهاز مناعي سليم، خاصة أن بكتيريا المتفطرة اللقاحية نوع موجود عادةً في التربة، تُقلل الالتهابات وتُحسّن المزاج، ويتم ذلك بالتأثير على إطلاق السيروتونين، وهو ناقل عصبي رئيسي.
اللعب في الهواء الطلق شكل من أشكال النشاط البدني، الذي يدعم صحة المناعة بشكل أكبر من خلال تحسين الدورة الدموية وتحفيز إنتاج الخلايا المناعية.
لا تبالغي في استخدام المعقّمات والمنظفات المضادّة للبكتيريا قد يقتل الميكروبات النافعة التي يحتاجها جسم الطفل.
النظافة المعتدلة؛ غسل اليدين قبل الأكل وبعد استخدام المرحاض يظل ضرورياً للوقاية من الأمراض الخطيرة، ولا داعي للقلق من بعض “اتساخ” الملابس أو اليدين أثناء اللعب.
طرق صحية لضمان لعب أطفالك في الهواء الطلق بأمان
اختري مناطق لعب نظيفة، و تأكدي من أن طفلك يلعب في مناطق غير ملوثة بمخلفات الحيوانات أو المواد الكيميائية الضارّة.
حدائق المنازل أو المتنزهات خيارات رائعة، خاصة إذا كنت غير متأكدة من مدى نظافة المنطقة، يمكنك استخدام مجموعة اختبار التربة للتحقق من ذلك.
اجعلي طفلك يرتدي ملابس مناسبة؛ كالملابس المقاومة للماء مثل الأحذية والسترات ما يُسهّل عملية التنظيف، مع السماح له بالاستمتاع بفوائد اللعب في الهواء الطلق.
نظافة اليدين و غسل اليدين بعد اللعب في الطين يساعد على منع البكتيريا الضارّة من دخول الجسم، ما يقلل من خطر الإصابة بالعدوى والحفاظ على التعرض الصحي للميكروبات.
التكرار والتعرض المتكرر للميكروبات المفيدة ضروري لبناء جهاز مناعة أقوى، فقد يكون احتضان الطبيعة- بكل ما فيها من أوساخ- هو بالضبط ما تحتاجه أجهزة المناعة لدى أطفالنا.
