“إيجي بست”…دراما تسطيح الواقع
بعد مشاهدة فيلم “إيجي بست” في دار العرض، وسط زحام وضجيج جمهور العيد، الذي لا تكاد تسمع بسببه نصف حوار الفيلم، كان أول ما فعلته بعد عودتي إلى البيت هو البحث عما إذا كان الفيلم قد تم قرصنته ويعرض عبر إحدى الوسائل الالكترونية، وبالفعل وجدت نسخة رديئة – كالعادة- مصورة بكاميرا هاتف تطل بالكاد وسط رؤوس المشاهدين.
وتخيلت الشاب الذي كان يخبئ الكاميرا وهو يشاهد فيلماً عن الشباب الذين يصورون الأفلام خلسة داخل دور العرض، لكي يبثوها عبر الانترنت، وربما يبتسم سعيداً من مشاهدة “نفسه” على الشاشة، أو ربما يواري وجهه خجلاً، من حقيقة أنه يرتكب جريمة مثل أبطال الفيلم من لصوص الأفلام!
الجريمة والعقاب
مثل هذا الشاب، وشخصيات فيلم “إيجي بست”، وكثير من الناس، لطالما وقفت حائراً أمام ظاهرة الأفلام المقرصنة، منذ أيام نسخ الـ”سي دي” والـ”دي في دي”، التي كانت تباع على الأرصفة والدكاكين الصغيرة في العديد من العواصم العربية، وحتى شهدتها ذات مرة على رصيف إحدى المدن الأوربية، متسائلاً: هل سرقة المعرفة والثقافة والفنون يمكن أن تكون جريمة؟.
يطرح “إيجي بست” هذا السؤال، وإن كان بشكلٍ عابر وسطحي، من خلال محاولة الغوص في هذا العالم السفلي للقرصنة الذي يحتل مساحة كبيرة غير مرئية من عالمنا.
للنظرة الأولى يبدو فيلم “إيجي بست” عملاً مختلفاً عن معظم ما يقدم في سوق السينما المصرية في السنوات الأخيرة، وخاصة أفلام موسم العيد التي تكاد تقتصر على الكوميديا والأكشن، وفي معظم الأحيان على الأكشن الكوميدي.
“برشامة” هو فيلم عيد تجاري بامتياز، ومصدر بهجة كبيرة لجمهور العيد المتعطش للضحك.
يبدو هذا الاختلاف بالرغم من أن الفيلم يتبع عدداً من التقاليد السائدة الآن، مثل الاعتماد على فريق ممثلين قادم إما من الدراما التليفزيونية، أو من نجوم السوشيال ميديا، ومن ثم يشارك في بطولة الفيلم عدد من نجوم موسم رمضان المنقضي على رأسهم أحمد مالك وسلمى أبو ضيف وميشيل ميلاد وحنان يوسف وأحمد عبد الحميد ومحمد عبده وأحمد الرافعي، كما يستعين بمغني “راب” شهير هو مروان بابلو، بجانب الاستعانة بواحد أو أكثر من ضيوف الشرف، وهو هنا أحمد فهمي الذي يظهر في مشهد واحد.
كاتب السيناريو أحمد حسني كتب أيضاً عدداً من المسلسلات والأفلام التي تنتمي للعالم نفسه مثل “السلم والثعبان 2” و”المشروع إكس”، الأول عاطفي كوميدي والثاني أكشن وطني.
وبالرغم من أن مروان عبد المنعم مخرج “إيجي بست” جديد على السينما، إلا أنه عمل كمساعد مخرج لسنوات، كما أخرج مسلسل غموض وتشويق بعنوان “الصندوق” منذ 3 سنوات لم يلق نصيباً كبيراً من النجاح.
شبكة النصب
الجديد في “إيجي بست” هو موضوعه، الذي يتناول ظاهرة مواقع القرصنة على الأفلام والمسلسلات (ويمكن مد الخيط إلى الموسيقى والكتب والبرامج..) التي توفر هذه المواد للمواطنين “مجاناً”، ولكنها تؤثر سلباً على صناعة السينما والموسيقى والنشر، وتضر بأصحابها، أو تجبرهم على تطوير اجراءات حماية منتجهم أو الدخول في منظومة البث الالكتروني نفسها.
ويتناول “إيجي بست” بالتحديد قصة موقع شهير يحمل اسم الفيلم، ظل على مدار سنوات أكبر وأشهر موقع لبث الأفلام والمسلسلات على الإنترنت، قبل أن يغلق فجأة، بالرغم من أن بعض المواقع لم تزل تعمل تحت الاسم بطرق مختلفة.
بالطبع قضايا النصب والتربح المشروع بأنواعه كانت محوراً للعديد من الأفلام والمسلسلات في الآونة الأخيرة، ولعل العمل المؤسس لكل هذا هو The Social Network عام 2020 للمخرج ديفيد فينشر، والذي تناول رحلة تأسيس موقع Facebook والصراعات التي دبت بين مؤسسيه على الملكية والإدارة.. وفي جزء كبير منه ينسخ “إيجي بست” بناء “الشبكة الاجتماعية” الأشهر ويطبقه على شبكة نصابي “إيجي بست”، كما ينسخ أيضاً اسلوبه في سرد الأحداث بطريقة الفلاشباك، وطريقة المونتاج المتوازي بين أطراف وأماكن وأزمنة مختلفة.
ومن الجيد، مبدئياً، أن يحاول فيلم “إيجي بست” تتبع مسيرة صعود وسقوط أحد المواقع المصرية الشهيرة، حتى بشكلٍ خيالي، كنموذج لعشرات المواقع والصفحات والـ”بلوجات” التي تظهر وتختفي كل يوم.
“إن غاب القط”.. القلق وراء التسلية
في أكثر من مشهد من فيلم “إن غاب القط” يوجه صناعه تحية إلى نجمي الكوميديا الراحلين فؤاد المهندس وشويكار
True Story
أول ما يطالعك في دعاية ومواد التعريف بفيلم “إيجي بست” هو أنه “دراما مستوحاة من أحداث حقيقية”، هذه العبارة التي صارت مضغة في فم كثير من صناع المسلسلات والأفلام الآن، خاصة أعمال منصة نتفليكس التي تهوى الصاق عبارة True Story على كل فيلم.
الاعتماد على القصص الحقيقية أسهل وسيلة للتسويق الآن: السيناريست لكي يبيع للمنتج، والمنتج لكي يبيع للمنصة أو شركة التوزيع، والمنصة وشركة التوزيع للجمهور، وقد شهدنا هذه الموجة في العديد من مسلسلات رمضان الماضي التي اعتمدت على صك “قصة حقيقية”، كما نشهدها في موسم العيد من خلال فيلمي “سفاح التجمع” و”إيجي بست”.
وإذا أضفت عبارة “مستوحاة من أحداث حقيقية” إلى عنوان الفيلم، فسوف يخطر ببالك على الفور أنه يتناول بالفعل حكاية موقع EgyBest بالفعل، والذي أغلق جزئياً في 2019، ثم بشكل نهائي في 2023، وأعلن وقتها أنه تم القبض على صاحبه والتحقيق معه، بالرغم من أن اسم هذا الشخص لم يعلن أبداً في أي وسيلة إعلامية أو قضية.
إذا لم تكن تعرف شيئاً عن هذا الموقع وأسباب انتشاره وأسباب إغلاقه، فسوف تعتقد بالفعل أن فيلم “إيجي بست” يتناول الأحداث الحقيقية للحكاية، بالرغم من ابتعاده عن هذه الحقائق، ربما عن عمد، وربما لأن صناعه ليس لديهم من المعلومات أكثر مما نعرف نحن، وهو أن الموقع أغلق من قبل المسئولين عن الإنترنت، وأن هوية صاحب أو أصحاب الموقع غير معروفة، ورغم أن كاتب الفيلم أحمد حسني يصرح في كل حوار يجرى معه بأن لديه مصادر رجع إليها في كتابة القصة، إلا أنه لا يذكر أيضاً أي شيء عن هذه المصادر وهوية أصحابها.
ليس هناك مشكلة بالطبع في أن يكون الفيلم مستوحى من أحداث حقيقية أو متخيل بالكامل، ولكن الفكرة أن مثل هذه العبارات المطاطة توهم بعض، إن لم يكن كثير من المشاهدين، بأن ما يرونه على الشاشة هو ما حدث بالفعل، فيختلط عليهم الأمر بين التوثيقي والخيالي، وبين التاريخ والأكاذيب.
ملخص التعريف بالفيلم، الذي نشرته عدة صحف نقلاً عن النشرة الدعائية للفيلم يقول نصاً: “مستوحى من أحداث حقيقية أثارت جدلًا واسعاً، حيث يعالج قضية موقع (إيجي بست) بطريقة درامية تجمع بين التشويق والبعد الإنسانى، مقدّمًا رؤية سينمائية جديدة لقضية معروفة إعلاميًا”.
مرة أخرى لا يستند الفيلم إلى وقائع مثبتة في ظل الغموض الغريب الذي أحاط بالقضية، وربما يكون كاتب الفيلم قد رجع إلى مصادر “مطلعة” صرحت له وأطلعته على وثائق لم تتح، إلى الآن، لوسائل الاعلام، ولكن حتى لو كان هذا حقيقياً (أنه يستند إلى مصادر) فإن الفيلم نفسه يحتوي على كثير من الأشياء غير المنطقية، أو التي تم معالجتها درامياً بطريقة ميلودرامية ساذجة، كما سأحاول أن أبين في السطور التالية.
قراصنة المرج
كما ذكرت، يدور “إيجي بست” حول عدد من الشخصيات تعمل في سرقة الأفلام والمسلسلات وبثها بشكلٍ غير شرعي على الإنترنت، مبررين ذلك لأنفسهم بارتفاع أسعار تذاكر السينما عن قدرة المواطنين العاديين، وبأنهم يقدمون خدمة لا غرض لها سوى اسعاد الناس، وهو يفعل ذلك عبر حكاية تقليدية عن صديقين من حي شعبي (المرج) وخطيبة أحدهما، مع بعض معاونيهم، يؤسسون موقعاً لبث الأفلام المقرصنة بنية طيبة في البداية، يحقق نجاحاً كبيراً ويصعدون إلى القمة، قبل أن تدب الخلافات بين الصديقين نتيجة الصراع على المرأة والسلطة، وهي حكاية رأيناها من قبل في عشرات الأفلام العالمية والمصرية، من أشهرها “سلام يا صاحبي” و”الصعاليك” اللذين يبدو أن “إيجي بست” قد تأثر بهما بشكلٍ خاص.. بجانب لمسات من قصص العصابات خفيفة الدم التي راجت مع سلسة أفلام Ocean ومسلسل La Casa de papel، ورأيناها في كثير من الأعمال العربية مؤخراً مثل مسلسلي”بـ100 وش” و”فن الحرب”.
