نحن شعب لا نأكل ما نزرع ولا نلبس ما نخيط ولا نركب ما نصنع ورغم النفط والغاز نحن من أفقر الشعوب

نحن شعب لا نأكل ما نزرع ولا نلبس ما نخيط ولا نركب ما نصنع ورغم النفط والغاز نحن من أفقر الشعوب

عجباً لعصابة العجائز والشيوخ حيث تملك من العبقرية ما يجعلها تصنع الوهم من القش وتبيع السراب للمواطنين الأبرياء ففي بلادنا السعيدة حيث تُحاك البطولات بمداد من الخيال وتُبنى المصانع بقرارات شفهية تشبه سحب الصيف خرج علينا المسؤول الأول عن وكالة الدعم والمشاريع بلال عشاشة ليبشرنا بمعجزات إقتصادية تتفوق على أحدث نظريات التنمية في اليابان وكوريا الجنوبية فقد قال بكل ثقة وثبات إن سقف تمويل المؤسسات المصغرة قد قفز ليصل إلى خمسة ملايير سنتيم كاملة! خمسة ملايير يا سادة تُصرف ببساطة لمواكبة تطورات العصر وإنجاز مشاريع عملاقة تكاد تنافس محطات الفضاء بينما لا يكاد صاحب المشروع يجد قطعة غيار فرنسية لدراجته النارية المستعملة.

لكن اسمع ولا تعجب فهذا الرقم الفلكي يأتي في رحاب مرافقة مئات الآلاف من حاملي المشاريع ودخول آلاف المؤسسات الصناعية إلى المحفظة الرسمية… وهي مصانع خفية بالطبع لا تراها العيون ولا تلمسها الأيدي لكن وجودها مقدس في التقارير الرسمية مثل الأفيون المخدر أما الواقع المعاش فقصة أخرى كتبتها يد المخنث تبون وعصابة الاربعون جنرال وفصولها مستمدة من تعاسة الزوالي البائس فنحن شعب لا يلبس ما يخيط ولا يأكل ما يزرع ولا يركب ما يصنع استيرادنا يمتد من إبرة الخياطة المتواضعة مروراً بموز الجامايكا الفاخر وصولاً إلى السيارات الفرنسية القديمة التي تتباهى بعبور شوارعنا المكتظة فأقصى ما نبرع فيه هو التفاخر بنعمة ثروات باطن الأرض حيث نرقد فوق بحار من النفط والغاز وحين ترتفع أسعارها نتنفس الصعداء ونأكل اللحم كل ثلاثة اشهر وحين تنخفض الأسعار نصاب بالجوع والعطش والامراض ونعيش الحرمان الاكبر فهي مجرد هيدروكربونات مدفونة في باطن الأرض يتولى استخراجها عمال صينيون وأفارقة بعرق جبينهم وخبرتهم لنتولى نحن مهمة شحنها إلى أصقاع الأرض ونحن ننتشي برائحة الريع وهنا يبرز السؤال الذي يطرق عقل كل مواطن نزيه: أين تذهب أموال كل هذه الثروات الطائلة وهذه الميزانيات الضخمة؟ أم أنها مجرد حبر على ورق وميزانيات معتبرة تتناولها عصابة الجنرالات وتوزعها على أبنائها وحاشياتها ونزواتها الشاذة بلا حسيب او رقيب تاركة للزوالي الجائع أرقاماً فلكية يتقوت بها في نشرات الإخبار ومهرجانات الخطب الرنانة للدورات الشهرية لعمي تبون؟ إنها باختصار خطة جهنمية متقنة الصنع تضحك فيها الأرقام الوهمية على عقول الزوالية البسيطة بينما يبقى الإنتاج الحقيقي مجرد أسطورة قديمة ترويها الجدات في ليالي الشتاء الباردة ويُسدل الستار عليها في انتظار معجزة أخرى قد تأتي أو لا تأتي.