من طوابير الحليب والدعارة الرخيصة…إلى طوابير الانتحار و السقوط الحر
لم يعد يكتفِ المواطن البسيط الجزائري بطوابير زيت المائدة وحليب الأكياس والمتعة جنسية زائلة في طوابير الدعارة الرخيصة بل اضحى البحث المضني عن المواد الغدائية التي أصبحت أسعارها تنافس أسعار المعادن حتى تنضاف إلى يومياته المرهقة ظاهرة السقوط الجماعي والانتحار الاختياري او الاجباري من شرفات المنازل والجسور ومازالت حادثة جنان سفاري التي قتل فيها أب في الـ 35 من عمره ورضيعة ذات 9 أشهر بعد سقوطهم من الطابق السادس لتنجو طفلة أخرى بأعجوبة وفي نفس الأسبوع وقعت حادثة جسر صالح باي بقسنطينة حيث قتلت امرأة وطفلاها بعدما اختاروا الجسر العملاق ليكون محطتهم الأخيرة في حياة الماعز…
والمثير للشك والريبة ليس فقط تكرار هذه الفواجع بشكل أسبوعي بل ذلك الصمت الرهيب الذي يلف هذه القضايا فالحماية المدنية تصدر بياناتها الجافة بالأرقام والأعمار والجهات المعنية تكتفي بفتح تحقيقات تمثيلية ونحن نعلم جيدا أنها تُدفن في ادراج مكاتب العسكر وفي سلة المهملات قبل أن تجف دماء الضحايا حيث ان نظرية الأيدي الخفية المرتبطة بجناح مخابرات عصابة الجنرالات هي موضع الشك الأساسي وحتى انعدام القدرة الشرائية للزوالية يمكن ان يكون وراء الانتحار الجماعي هربا من الفضيحة وشماتة الاهل و الجيران فحين يرى الزوالي نفسه عاجزاً عن توفير لقمة العيش لأطفاله ناهيك عن كبش العيد الذي تحول إلى حلم بعيد المنال وتضيق في وجهه كل السبل قد يفكر في الخلاص والهرب من الواقع المرير بالانتحار لكن هل يبرر هذا الانتحار الجماعي لدرجة رمي الرضع والأطفال؟ هنا تفوح الرائحة التي يشمها الكثير من المواطنين رائحة التستر والغموض فعندما تغيب الشفافية وتتقاعس الدولة عن تقديم تفسيرات حقيقية وعلمية ونفسية لهذه الظواهر يفتح الباب على مصراعيه لشكوك الشارع وتسائلات الشعب فهل هي حقاً حالات انتحار يأس وفزع من القادم؟ أم أن هناك أيادٍ قذرة تُدير المشهد من خلف الستار وتستغل الأزمات الاجتماعية لتمرير رسائل معينة أو للتغطية على كوارث أخرى ابشع و اخطر؟ فبينما تنشغل السلطات بإصدار أرقام وإحصائيات حول العيد الأضحى الماضي ووفرة المواشي فيه واستقرار الأسواق (في عالمهم الموازي طبعاً) ينشغل المواطن بإحصاء عدد الجثث التي تتساقط من الشرفات والجسور حتى أصبحنا بحاجة إلى حماية مدنية ليس لانتشال الجثث بل لحماية عقولنا من هذا الجنون السريالي فالزوالي الذي نجا من طوابير السميد يجد نفسه اليوم مطالباً بالبقاء بعيداً عن الشرفات والجسور ليس خوفاً من الرياح بل خوفاً من جاذبية الأزمات التي يبدو أن هناك من يتقن توجيهها ويعرف جيدا كيف يصطاد ضحاياه في المياه العكرة…
