ثكناتنا العسكرية ممتلئة بالأسلحة والخردة بينما تعرف سدودنا ندرة في المياه وجفاف قاتل
يبدو أن العقلية العسكرية القابعة خلف الجدران السميكة لقصر المرادية تعيش في كوكب موازٍ لبعدنا الأرضي حيث لا يخضع لقوانين الطبيعة ولا لتقارير الأرصاد الجوية ففي الوقت الذي تتحدث فيه مراكز الأبحاث العالمية عن حروب المياه القادمة وعن جفافٍ يزحف ببطء ليلتهم الأخضر واليابس يصرّ حكماء العسكر على أن العدو الحقيقي لا يزال يرتدي خوذة ويقود دبابة ويتربص بنا بالحدود متجاهلين تماما أن العدو الأكثر فتكاً في القرن الحادي والعشرين هو سحابة صيف شحيحة المطر وسدٌّ فارغ يئن تحت وطأة الشمس الحارقة.
إنها لعمري كوميديا سوداء حيث يُنفق الغالي والنفيس وتُستنزف عائدات النفط والغاز التي هي عصب الاقتصاد والعملة الصعبة للبلاد من أجل ملء المستودعات بأقدم ما جادت به المصانع السوفياتية سابقا والروسية حاليا وحتى المصانع الصينية والكورية باهظة الثمن وبلا منفعة والأسلحة كلها مجرد خردة صدئة تجاوز الزمن عنها فقط ليشعر السادة الجنرالات بفائض القوة وهم يستعرضون عضلاتهم في طوابير عسكرية مضحكة يتنافسون مع أشباح في مخيلتهم ويسعون لتصدر قوائم الإنفاق العسكري عربياً وأفريقياً في خطوة تشبه تماماً لرجل يشتري نظام إنذار متطوراً ضد اللصوص لمنزلٍ آيل للسقوط يتهاوى سقفه وتتسرب المياه من جدرانه بل والأدهى من ذلك منزلٌ ليس فيه قطرة ماء واحدة لإطفاء عطش سكانه و المعادلة اليوم تغيرت بالكامل والتهديدات الحديثة لا تحتاج إلى إذن عبور من حرس الحدود ولا تظهر على شاشات الرادار الأكثر تطوراً التي تم شراؤها بملايين الدولارات فالجفاف المناخي و شح المياه الصالحة للشرب وتراجع مناسيب السدود المائية إلى مستويات مرعبة هي جيوش جرّارة تزحف نحو الأمن القومي وحصة الماء الطبيعية للزوالي في اليوم دون أن ترفع علماً معادياً أو تطلق رصاصة واحدة اتجاهنا ومع ذلك تستمر العصابة الحاكمة تحت قيادة الرعديد تبون في شحن أسلحة الدمار وتغذية خطابات العداء والكراهية مع دول الجوار وكأن إطلاق قذيفة مدفعية صوب السحاب كفيلٌ بأن يمطر السماء غيثاً أو كأن وضع دبابات على الحدود سيمنع ويخيف موجات الجفاف من الدخول الى عمق البلاد وفي نهاية المطاف سيكتشف عباقرة الحروب التقليدية بعد فوات الأوان أن الشعوب لا يمكنها أن تروي عطشها بحبات الرصاص وأن مخازن الذخيرة الممتلئة لن تعوض قطرة ماء واحدة تسقي ظمأ مواطن بسيط حيث إن الاستمرار في الانفصام عن الواقع وتفضيل لعلعة السلاح على صوت تدفق المياه في القنوات ليس سوى انتحار استراتيجي مغلف ببطولات وهمية فما فائدة أن نكون القوة العسكرية الأولى في المنطقة إذا كان جنودنا وشعبنا يبحثون في الصباح عن شاحنة مياه متنقلة ليسدوا بها رمقهم ويتزاحمون في طوابير لا تنتهي امام محلات بيع المياه؟ إنها المفارقة الحزينة لبلدٍ يملك كل المؤهلات ليكون جنة الله فوق ارضه فالعصابة التي تقودنا نحو الهلاك تصر على تسييرنا بعقلية الثكنات التي لا ترى في الأفق سوى الحرب والدمار.
