“حكاية نرجس”…محاكمة الأمومة القهرية
في البداية نود أن نتساءل: لماذا تصدّر مسلسل “حكاية نرجس” موسماً مزدحماً بحكايات أكثر صخباً؟
ليس لأن قصته مستوحاة من واقع صادم! فالدراما المصرية امتلأت مؤخراً بحكايات حقيقية فقدت أثرها بمجرد تحويلها إلى الشاشة.
ما يميز “نرجس” ليس الأصل، بل في أسلوب التعاطي معه، كيف تحوّلت واقعة جنائية إلى سؤال وجودي؟ وكيف أعادت المعالجة تشكيل الحكاية لا لتوثقها، ولكن لتنتزع منها معنى أبعد من الجريمة نفسها.
تبدو شخصية نرجس امرأة حاقدة على الأمهات، نظراً لحرمانها من القدرة على الإنجاب، وبالتالي يصبح لديها هذا المبرر النفسي في خطف الأطفال، وهو المبرر الذي تستغله ذريعة بينها وبين نفسها لخطف الطفل الأول، ومن بعده الثاني لتأكيد أمومتها المكتسبة دون وجه حق، ثم تستجيب لابتزاز زوج أختها كي تحافظ على أمومتها المنتزعة رغماً عن الطبيعة والواقع.
إلا أنها في الحلقة الأخيرة، وفي المواجهة المؤجلة مع الأم المصابة بالذهان (سماح أنور في واحدة من أكثر تجلياتها الأخيرة المبهرة)، تصارحها بأزمة أعمق من مجرد الحرمان النفسي والشعوري من الأمومة، أزمة التحقق الوجودي، أزمة أن يشعر الإنسان أنه موجود في الحياة برضا الآخرين، خاصة أقرب الناس إليه، وفي حالتنا الأم!
في هذا المشهد، الذي تنتقل فيه الكاميرا من وجه نرجس لوجه أمها، دون أن نراهم في كادر واحد مجتمعتان، نرى نرجس تبوح بأزمتها الوجودية، تعاتب أمها التي لم تشعرها أنها موجودة في الحياة برضاها وتقبلها وسعادتها، تطلق سراح الألم المكتوم من كون الأم كانت ترغب في ابن بكري ولد، وربما كان هذا سبباً في تشبث نرجس بيوسف كابن بكر، ورفضها البوح بأهله! رغم أن تحليل القصة الحقيقة كان يشي بوجود جريمة غامضة وراء إنكار المجرمة معرفتها بأهل إسلام (الاسم الحقيقي ليوسف) وإصرارها على أن تظل تحمل السر حتى القبر.
هذا هو الفارق بين المعالجة والقصة الحقيقية! الفارق الذي ينتصر للدراما وليس الواقع، يحرر النص، الذي كتبه عمار صبري عن قصة سامح علاء، من أسر الحكاية الأصلية ويعيد إنتاج أغراضه الشعورية والنفسية الخاصة.
حين نصبح أشخاصاً آخرين.. عن الأبوة وتحول القلوب في “اتنين غيرنا”
يمكن القول أن “اتنين غيرنا” قد يثير بعض الاحتقان الطبقي لدى شرائح كثيرة من الجمهور، ولكنه قد يحرك لدى شرائح اخرى مساحات للتأمل في طبيعة العلاقات العاطفية.
الأنثى والأم
رغبة نرجس في حكايتها الدرامية أن تكون موجودة، ومتحققة، كأنثى وكأم، هي التي دفعتها إلى طلب الطلاق من زوجها الأول عندما اكتشفت أن ثمة انثى أخرى تشاركها جسده وتفاصيله، ثم اختارت عوني ليكون طيعاً بعاهته الجسدية رمز نقصانه العاطفي، فعوني أعرج عاطفياً وليس جسدياً فقط، وهذا العرج العاطفي استغلته نرجس أسوأ استغلال!
واختار له النص أن يكون بائع خضار، مجرد تاجر تجزئة محدود الخبرات عديم الموهبة، فاتر الهمة إلا فيما يتعلق بالتوسع المحدود في التجارة التي لم تتغير طوال سنوات، على العكس من زوجها الأول؛ الصنايعي صاحب الحرفة التي تمارس باليد والدماغ، وتنعكس على ذكاء الشخصية وقوتها!
نرجس في المسلسل ليست فقط مريضة نفسياً بما يمكن أن نطلق عليه (الأمومة القهرية)، بل هي مشوهة وجودياً من جراء رفض أمها لها منذ أن كانت زهرة تتفتح – دلالة الاسم مأخوذة من اسم زهرة جميلة لكنها هنا نبتت في خرابة أسرية- هذا التشوه الوجودي هو السبب الرئيسي في حالة الأمومة القهرية التي أصابتها وحولتها إلى لعنة تمشي على قدمين.
هنا يعيد النص تشكيل الحكاية الواقعية لطرح أزمة أكثر خطورة وحساسية من مجرد (الأمومة القهرية)، أزمة الشعور بالرضا الوجودي، وهو ما يجعل الحلقة الأخيرة خاتمة مهمة لا غنى عنها، فلو أن الحكاية انتهت عند القبض على نرجس ودخولها السجن لأصبحنا أمام جزاء عادل لجرائم بشعة، ولكن حلقات ما بعد السجن وإصرارها على أن يوسف ابنها بشكل قهري، وصولاً إلى مشهد المواجهة مع الأم، شكل ذروة شعورية وانفعالية ووجودية، لا تقل أهمية عن ذروة الأحداث وسياقات الكشف عن الجريمة والمحاكمة والسجن.
توريط المتفرج في الخصومة
هل تعتبر شخصية نرجس هي بطلة العمل الدرامي أم هي الخصم؟
ولو أنها هي الخصم فمن هو البطل؟
في الحقيقة فإن المسلسل ينتمي إلى ما يعرف بدراما دراسة الشخصية، أي أننا لسنا أمام شكل تقليدي للدراما التي تحتوي على بطل وخصم، عدو وحبيب، طيب وشرير! دراما دراسة الشخصية هي من أصعب وأمتع الأنواع الدرامية في صياغتها، لأنه في الأنواع الأخرى يصبح من السهل على المتفرج أن ينحاز إلى البطل ضد العدو أياً كان، سواء متجسداً في شكل إنسان، أو مجازياً في شكل مرض أو قدر أو مصيبة!
لكن في دراما دراسة الشخصية، سوف نجد أن حرفية العرض تكمن في أن يتوحد المتفرج مع الشخصية التي يجري تشريح نفسيتها أمامه على الشاشة، عبر المواقف والأحداث والتفاصيل، في “حكاية نرجس” يبدأ المسلسل من نقطة متأخرة في حياة الشخصية، ثم يعود إلى الماضي متتبعاً رحلتها الملعونة، العودة للماضي تشبه محاكمة داخلية! أو لحظة الحساب المنتظرة – في الميثولوجيا الدينية الحساب عبارة عن استعادة الميت لأفعاله أمام الميزان- من هنا يمكن أن نفهم لماذا اختار النص هذا الشكل الاستعادي! بدلاً من البناء التراكمي الخطي التقليدي! الاستعادة تحتوي على تأمل، وإعادة نظر، وكشف حساب، حتى ولو لم تكن من ذاكرة الشخصية أو بصوتها السردي.
