بين بروباغندا القوة الضاربة وواقع طوابير الجوع والذل: المفارقة الموجعة في جزائر تبون
في الوقت الذي تضج فيه شاشات القنوات الرسمية والصفحات الموالية بخطابات القوة الضاربة والسيادة الغذائية وتتغنى بتقارير دولية تضع الجزائر على رأس قائمة الدول الأكثر قدرة على الصمود الغذائي في إفريقيا والعالم العربي يصطدم المواطن الجزائري الزوالي بواقع مرير يصفعه كل صباح أمام أبواب الدكاكين والمساحات الكبرى وهو ينتظر في ذل وانكسار امام طوابير لا تنتهي…
هذه الفجوة العميقة بين الأرقام المبهرة والبطون الخاوية ليست مجرد سوء تفاهم إحصائي بل هي مفارقة صارخة تعكس حالة الانفصال التام بين عالمين: عالم النخبة الحاكمة (الجنرالات) التي تعيش خلف أسوار التقارير الوردية وعالم المواطن البسيط الذي يقضي نصف يومه في رحلة البحث عن شكارة حليب أو رطل من البطاطا حيث تستغل الآلة الإعلامية للنظام العسكر أي تقرير تقني لتصوير بلادنا كواحة للأمن الغذائي مدعية أن الجزائر لا تجوع ولكن السؤال الذي يطرحه الشارع بمرارة: ماذا يعني الصمود الغذائي في قاموس السلطة؟ هل يعني توفر المواد في المخازن مع عجز المواطن عن اقتنائها؟ أم يعني ندرتها المتعمدة التي خلقت سوقاً سوداء ومافيا تقتات على أزمات الغذاء؟ إن الترويج لفكرة أن النظام الغذائي الجزائري هو الأكثر صموداً بينما تعجز المخابز عن توفير الخبز بانتظام في اغلب الولايات وتتحول فيه البطاطا إلى مادة برجوازية يتجاوز سعرها قدرة العامل البسيط هو نوع من الاستهزاء بعقول المواطنين ومحاولة بائسة لتغطية شمس الحقيقة بغربال الأكاذيب فلا يحتاج الصحفي المحلل أو المتابع للشأن المحلي إلى مجهر ليرى الحقيقة فالمشهد في الشارع يتحدث عن نفسه طوابير طويلة تمتد قبل فجر كل يوم يختلط فيها الشيوخ بالنساء والشباب ليس من أجل رفاهية عابرة بل من أجل مواد أساسية كندرة الحليب التي تحولت إلى مسلسل يومي من الإهانات حيث يُجبر المواطن على الانتظار لساعات من أجل كيس حليب واحد مع ندرة المواد الأساسية من زيت المائدة إلى السميد وصولاً إلى الفواكه التي أصبحت حلماً بعيد المنال مثل الموز الذي تحول في الخيال الشعبي إلى رمز للثراء الفاحش بالإضافة الى ان القدرة الشرائية التي تآكلت بفعل التضخم وسياسات اقتصادية تخدم كارتيلات معينة على حساب قوت الشعب و بدلاً من الاعتراف بالفشل الذريع في تسيير سلاسل الإمداد وتوفير الحد الأدنى من الكرامة الغذائية تلجأ الماكينة الإعلامية التابعة لعصابة الجنرالات إلى لغة المؤامرة والمضاربة لرمي المسؤولية على أشباح غير مرئية والحقيقة أن المضارب الأكبر هو نظام العسكر الذي لا يملك رؤية اقتصادية حقيقية ويفشل في تحويل الموارد المالية الضخمة من عائدات المحروقات إلى أمن غذائي ملموس على مائدة المواطن حيث إن ما يعيشه الزوالي اليوم هو ضريبة ثقيلة لسنوات من الاستبداد والفساد الإداري حيث تُنفق الملايين على تلميع الصورة دولياً وشراء الولاءات بينما يُترك الشعب يصارع من أجل رغيف الخبز حيث إن الصمود الحقيقي ليس في تصنيفات ورقية تُكتب في مكاتب مكيفة بل في قدرة المواطن على تأمين قوت عياله دون عناء ودون أن يضطر للوقوف في طابور الذل والعار .
