غريب الجزائريين مفروض عليهم سداد فواتير الماء والكهرباء لأشهر كانت فيها مقطوعة أصلا
أطلت علينا المؤسسة الجزائرية للمياه والكهرباء والتطهير مؤخراً بخطبة عصماء تفيض رقة وحناناً تدعو فيها المواطنين الأفاضل والرعايا الكرام بلسانٍ ملؤه الخجل والأدب إلى الهرولة نحو شبابيك الأداء لتسديد مستحقات المياه والكهرباء والنظافة ولعل الهدف السامي من هذا النداء كما جاء في الخطبة الموقرة هو تعزيز قدرة المؤسسة على مواصلة جودة الخدمات والإصلاحات الفنية وتجديد التجهيزات الحديثة
وحين تقرأ هذا البيان العظيم يخيل إليك للوهلة الأولى أنك تعيش في إحدى عواصم شمال أوروبا حيث المياه تتنقل في الأنابيب بنغمات كلاسيكية والكهرباء تأتي بلمسة زر سحرية والشوارع تفوح برائحة الورد والياسمين! ولكن… ما إن تضع البيان جانباً وتفتح باب حجرتك لتواجه الواقع حتى تكتشف أنك لا تحتاج إلى حجز عطلة في محمية طبيعية بدائية فالطبيعة البدائية أتت إليك وبالمجان فإن تحدثنا عن الماء الشروب فالواقع يقول إن الزوالي العظيم بات يقضي وقته في طقوس ملحمية من الذهاب إلى الشاطئ في حر الصيف و في برد الخريف لم يعد نزهة للترفيه أو السباحة بل أصبح رحلة استكشافية للاستحمام وقضاء الحاجيات الطبيعية على طريقة الإنسان القديم مع فارق بسيط وهو أن إنسان العصر الحجري لم يكن يتلقى فواتير استهلاك خيالية في نهاية الشهر أما عن الكهرباء التي يتحدثون عن تجديد تجهيزاتها الحديثة فقد قضى المواطنون البؤساء فصل الصيف في أجواء رومانسية دافئة جداً… رومانسية الشموع والدموع والعطش والجوع! لقد عادت الشمعة لتكون السيدة الأولى في البيوت بدل الزوهرة زوجة المخنث تبون وكأن المؤسسة الموقرة تحاول بشدة تشجيع الاسترخاء والابتعاد عن التكنولوجيا الملوثة للعقول والمضرة بالابصار ولا يمكن أن ننسى فاتورة التطهير والنظافة التي يُطلب منا دفع مستحقاتها الباهضة بانتظام فالأزبال لم تعد مجرد نفايات تُجمع في أكياس بل تحولت بقدرة قادر إلى سلاسل جبال متراصة تزيّن شوارع الأحياء والولايات وتخنق برائحتها الكريهة الحجر قبل البشر والجميل في الأمر أن هذه الجبال من القمامة تقدم خدمة مجانية للمواطنين فهي تذكرهم دائماً بأهمية الثبات والقدرة على حبس الأنفاس لأوقات قياسية قد تجعلنا ندخل الى موسوعة جينيس كاكثر الشعوب بؤسا عفوا اقصد كافضل الشعوب في لعبة كتم النفس وهنا يطرح الزوالي المغوار الذي قضى صيفه ينسج أحلام في باريس ومارسيليا على ضوء الشموع ويتحسر أمام صنبورٍ جاف سؤالاً وجودياً كبيراً وهو عن أي استهلاك للماء والكهرباء يتحدثون؟ وعن أي فواتير يطالبون؟ هل ندفع ثمن السراب الذي ينسكب من الصنبور؟ أم ثمن الظلام الدامس الذي يلف الغرف والشوارع؟ أم ندفع رسوم جولات الاستحمام في مياه البحر المالح؟ أم لعلّنا ندفع ضريبة استنشاق عبير جبال القمامة المتراكمة تحت نوافذنا؟ حيث إن المطالبة بتسديد الفواتير في ظل هذا الوضع الشبيه بروايات الرعب الكلاسيكية تُعدّ شاهداً حياً على الفجوة الكونية التي تفصل بين لغة البيانات الرسمية لعصابة الجنرالات و بين المواقع المزري الذي يعيشه الزوالي البطل فيا شيراتنا المؤسسات الموقرة… إن الجودة والكفاية لا تُبنى بجمع الأموال لخدمات غير موجودة بل بوجود الخدمات أولاً كي يجد المواطن شيئاً يدفعه وهو يبتسم بدلاً من أن يدفع وهو يذرف الدموع على ضوء الشموع!.
