حذرونا من العدو الخارجي والمؤامرة الكونية فيما خنجر الغدر والخيانة يأتينا من مكاتب قصر المرادية
عيون الجزائريين التي أرهقها التحديق في الأفق البعيد بحثاً عن العدو الخارجي وهجوم جيران السوء نسي أصحابها أن يحرسوا ظهورهم من الطعنات التي تأتي من قصر المرادية فلقد أنفقنا عقوداً من اعمارنا ونحن نرقب الحدود بكاميرات الترقب وحسرة الانتظار ننتظر فلول الغزاة المرتقبين الذين وعدتنا عصابة الجنرالات بأنهم سيأتون للسطو على مقدراتنا ونهب خيراتنا كنا نسهر على خوف أن نرى هذا العدو الخارجي الذي تحدثت عنه الخطابات الرسمية للمخنث تبون وزبانيته ببراعة سينمائية ورسمت له الميكروفونات ملامح الجار الشرير الذي لا ينام ليلاً إلا وهو يحلم بنسف دولتنا عن بكرة ابيها…
غير أن المفاجأة المحزنة كانت أسرع من كل السيناريوهات المخططة فبينما كانت الرقاب ممدودة نحو الجيران وتخوم الخرائط تسللت الفلول الحقيقية ولكن ليس من الحدود المتاخمة بل من أبواب المكاتب المكيفة وممرات قصر الرئاسة بالذات حيث أطل الجوع برأسه مقهقهاً على الزوالي المسكين وأقبل العطش يفرغ مخازنه في عروق الأطفال والشيوخ وحلت الأمراض والاوبئة ضيفا ثقيلا على الولايات المنكوبة تنشط في العمق دون أن تحتاج إلى تأشيرة دخول أو إذن عبور حيث اكتشف الشعب البائس وفي لحظة صدق موجعة أن الغازي الشرس الذي وُعدنا به لم يطأ تراب بلادنا بقدمه بل كان مقيماً بين ظهرانينا منذ زمن يرتدي بدلة عسكرية ويتحدث باسم الوطنية الصادقة ويحرص على مصلحة الشعب في النشرات الإخبارية اليومية لقد اتضحت معالم الخطة الخبيثة فكانت كلمة العدو الخارجي والمؤامرة الكونية مجرد اسم مستعار لعصابة الجنرالات حيث تعيش في نعيم الوطن بينما تدفع بالزوالية إلى جحيم الجوع وعذاب الفقر فأبناء الجنرالات يلتهمون الغلة ويمتصون شرايين الشعب ثم يجلسون فوق منصاتهم العالية ليمارسوا هوايتهم المفضلة السخرية من الفقراء والجياع الذين صدقوا كذبة العصابة طويلا يسبون الملة ويسخرون من سذاجة المعذبين في الارض الذين سهروا الليل لحراسة أوهام خُصصت فقط لتغطية عمليات النهب والسرقة المنظمة التي تحدث في واضحة النهار بلا رقيب او حسيب فالسلاح الفتاك لم يكن يوماً طائرة نفاثة أو دبابة مصفحة قادمة من خلف الحدود بل كان كلمة خادعة يُخدَّر بها الزوالي ليبقى مشغولاً بخصم وهمي بينما تُفرَغ خزائن الدولة من الأموال والمذخرات ويُباع حاضر ومستقبل المواطن بالمزاد العلني وإن أشد ما يبعث على التأمل في هذه الملهاة السوداء هو أن الغزاة المفترضين لو زاروا أرضنا اليوم لما وجدوا فيها شيئاً يسرقونه فقد سبقهم حماة الديار عصابة الجنرالات الذين أجهزوا على الأخضر واليابس…
