الجنرالات والمسؤولين وأسرهم يعالجون في الخارج والمواطن يموت بالملاريا والدفتيريا
في مشهد درامي مؤثر يُبكي الصخور ويهز مشاعر الجماهير العريضة أطل علينا فجأة بطل الإيثار الجديد المدعو عبد القادر بن قرينة (أو كما يحلو للشارع تسميته تهكماً بالعبد الخاسر ليعلن عن تضحية جسيمة سيقدمها من أجل هذا الوطن الجريح الرجل قرر بقلب ينبض بالوطنية ودموع تكاد تفر من عينيه أن يغادر البلاد للعلاج في الخارج وبالضبط في فرنسا المستعمرة المتخلفة…
لا تظنوا السوء بالرجل فهو لم يهرب بنفوذه ولم يذهب لإنفاق أموال الزوالية في منتجعات فرنسا الطبية بل فعل ذلك بدافع إنساني محض تقشعر له الأبدان فحجج العبد الخاسر بن قرينة جاءت لتدرس في جامعات العلوم السياسية وفنون الاستحمار الإعلامي حيث تفتقت عبقريته عن المبررات التالية: الخوف من الازدحام فالرجل يخاف على المواطن البسيط من أن يزاحمه في طوابير مستشفياتنا الراقية جداً والفائقة النظافة تخيلوا لو أن سيادته انتظر دورة حقنة أو جلسة فحص كم مواطناً كان سيحرم من هذه الرفاهية الطبية؟ ثم الحفاظ على العقول المهاجرة فالعبد الخاسر لا يريد للمواهب الطبية العبقرية في الخارج أن تشعر بالملل أو تضيع هباءً فقرر أن يتبرع بجسده المبارك ليكون حقل تجارب لأطبائنا المغتربين هناك بفرنسا وأخيرا الأولوية للنخبة ففي فلسفته الخاصة المسؤولون هم أولى بالعلاج في الخارج لأن صحة العصابة صناع القرار أهم بكثير من صحة العبيد فالمواطن بائس لا يملك سوى أنفاسه المتبقية وبينما كان المسؤول يشرح تضحيته يبدو أنه أصيب بنوبة مؤقتة من فقدان الذاكرة (وهو مرض مزمن يصيب كل من يدخل السلطة) لقد نسي سيادته أو بالأحرى تناسى أن مستشفيات العاصمة والولايات الكبرى تعيش في زمن مغاير تماماً فبالحديث عن أزمة الأساسيات والحديث هنا ليس عن أجهزة الرنين المغناطيسي والفحص بالأيونات بل عن ندرة الحقن الحيوية و شح الضمادات والبحث المضني عن أسطوانات الأكسجين ولقاحات الأطفال الأساسية وتناسى أيضا أن مئات المواطنين في مناطق مختلفة لقوا حتفهم جراء عودة أوبئة اعتقد العالم أنها انقرضت مثل الملاريا والدفتيريا في ظل منظومة صحية تواجه الأزمات بالبيانات التنديدية والمفارقة الكبرى في هذه الكارثة هي التي تمنح هذا المشهد طابعه الكوميدي الأسود هي أن العبد الخاسر ليس بدعاً من الرسل في هذه السلطة فجلّ أفراد هذه الجوقة السياسية من أصغر موظف نبتت له أجنحة النفوذ إلى رأس الهرم المخنث تبون فهم يملكون فوبيا حقيقية من المستشفيات المحلية فلم يسبق لأحدهم أن وطأت قدمه مستشفى محلياً إلا في زيارة بروتوكولية محاطة بكاميرات التلفزيون الرسمي حيث تُدهن الحوائط قبل وصولهم بساعة وتجف بعد مغادرتهم بدقيقة أما عند العطس أو الزكام فإن وجهتهم المفضلة هي طائرات خاصة تقلع مباشرة نحو باريس أو جنيف أو ألوية العلاج الأوروبية تاركين وراءهم شعباً يداوي جراحه بالصبر والاعشاب الطبيعية وفي النهاية لا يسعنا إلا أن نشكر بن قرينة على هذا النبل غير المسبوق شكراً لأنك تركت لنا مستشفياتنا الممتلئة بالهواء والوعود وسافرت لتتحمل مشقة العلاج في مستشفيات الغرب الكافر لتبقى أنت معافى… ويبقى المواطن يصارع الملاريا بابتسامة صفراء!.
