لتنفيذ أوامر الأسياد الفرنسيين الجنرالات يطردون المواطنين من بيوتهم

لتنفيذ أوامر الأسياد الفرنسيين الجنرالات يطردون المواطنين من بيوتهم

في مشهدٍ تراجيديٍ يعيد إلى الأذهان صور التهجير القسري في العشرية السوداء استيقظت عائلات واسر هذا الأسبوع على سياط الطرد والإخلاء ليس بفعل كوارث طبيعية بل بموجب أحكام قضائية باردة تمنح الأحقية لأحفاد الأقدام السوداء في استرجاع عقارات سكنوها هؤلاء المواطنون لعقود من الزمن هي ليست مجرد أزمة سكن بل هي طعنة في خاصرة السيادة الوطنية وتساؤل حارق حول جدوى الاستقلال إذا كانت اتفاقيات وُقعت قبل ستة عقود خلف الغرف المغلقة لا تزال تملك القدرة على رمي مواطنينا في الخلاء.

إن قمة العبث في هذه القضية لا تتوقف عند تشريد عائلات بسيطة أفنت عمرها في ترميم وحماية جدران قديمة بل تتجاوزها لتصل إلى رمز السيادة المزعومة فكيف يُعقل أن تصل المطالب القانونية لأحفاد المعمرين إلى بناية وزارة الدفاع ذاتها؟ أيُّ هوانٍ هذا الذي يجعل مؤسسات سيادية يُفترض أنها حامية الأرض والعرض تقع تحت طائلة الملكية الخاصة لورثة المستعمر؟ هذا الاختراق القانوني يكشف أن نظام الجنرالات الذي طالما صدّع الرؤوس بشعارات السيادة الوطنية والعداء لفرنسا يجد نفسه اليوم منبطحاً أمام نصوص اتفاقيات إيفيان التي يبدو أنها لم تكن مجرد وثيقة لإنهاء الحرب بل كانت عقد إيجار طويل الأمد يدفع ثمنه الزوالي البسيط من استقراره وكرامته وشرفه ان كان عنده أصلا شرف وبينما يغرق الإعلام الرسمي في سرديات التمجيد للسيادة الوهمية يبرز السؤال الأبرز لماذا الآن؟ ولماذا يتم تفعيل هذه الحقوق القانونية لـ الأقدام السوداء في هذا التوقيت بالذات؟ الحقيقة المرة تشير إلى أن النظام في محاولاته لضمان بقائه وكسب الشرعية الدولية أو تسوية ملفات شائكة مع العاصمة باريس قد قدم قرباناً من عبيد جمهورية الطوابير وهم حفنة من الشعب لا فائدة منها في منظور العسكر فاستناد المحاكم إلى بنود اتفاقية إيفيان لاسترداد منازل وعمارات وحتى مقرات رسمية يثبت أن الاستعمار لم يرحل تماماً عن بلادنا بل ترك وكلاء يحرصون على تنفيذ أجنداته القانونية حتى بعد مرور أجيال هي ردة استعمارية بثوب قانوني وتحت غطاء من الصمت المريب للسلطات التي اكتفت بدور المنبطح أو المنفذ لقرارات الإخلاء فهذه العائلات التي طُردت هذا الأسبوع لم تكن تغتصب أرضاً بل سكنت بناءً على شرعية قانونية وواقعية فرضها خروج المستعمر فكيف يتحول المواطن البسيط والزوالي البائس إلى محتل في نظر القانون بينما يصبح حفيد الكولون الفرنسي هو صاحب الحق الشرعي؟ حيث إن ما يحدث هو جريمة همجية ضد الشعب المغبون فإذا كانت الدولة غير قادرة على حماية المواطنين في بيوتهم وغير قادرة على حماية مقر وزارة دفاعها من مطامع أحفاد الفرنسيين والأتراك فعن أي سيادة يتباهون؟ إن سياسة الأرض المحروقة التي تُمارس اليوم ضد الساكنين في تلك السكنات لن تمر بسلام فالشعوب قد تصبر على الجوع والعطش والفاقة لكنها لا تصبر على الحكرة والإهانة خاصة إذا كانت هذه الإهانة تأتي برائحة استعمار جديد وبمباركة من عجزة الجنرالات و على النظام أن يدرك أن اتفاقيات إيفيان ليست نصاً مقدساً إذا كانت ستؤدي إلى تشريد المواطنين في بلادهم وأن السيادة التي لا تحمي سقف بيت الفرد هي سيادة ورقية لا تساوي ثمن الحبر الذي كتبت به.