كيف راكمت الجزائر خبرة طويلة في تنظيم الطوابير وإذلال المواطنين
في زمن أصبحت فيه الأخبار الكوميدية تُنافس النشرات الرسمية طالعتنا إحدى الصحف بعنوان يثير من الضحك الأسود ما لا تثيره مسرحيات ديوان الصالحين العنوان يقول: التجربة الجزائرية تساهم في إثراء رؤية برلمانية للتجارة الدولية نعم كما قرأت تماماً! يبدو أن العالم كان ينتظر الوصفة السحرية من بين أزقتنا الغارقة في الدعارة والشذوذ الجنسي والظلام وجداولنا الجافة من الماء والحياة النقية…
من حقنا أن نتساءل وبكل فخر منكسر: ما هي بالضبط الدروس التي ستقدمها تجربتنا الوطنية للبرلمانات الدولية؟ هل سنعلمهم كيف نُدير تجارة الزيت والحليب عبر طوابير تمتد لمسافات تتجاوز حدود المنطق؟ أم سنلقنهم دروساً في اللوجستيك العالمي من خلال تجربة شاحنات المياه التي أصبحت ضيفاً عزيزاً ونادراً في بيوت الجزائريين؟ إنها مفارقة مضحكة لا تحدث إلا في القوة الضاربة فكيف لنا ان نعلم العالم أصول التبادل التجاري عبر إنترنت يختفي مع كل هبة ريح أو امتحان بكالوريا وكأننا نقول للمستثمرين: التجارة في الصبر أضمن من التجارة في السلع و بينما يتحدث العالم عن الطاقة النظيفة نحن نطبق سياسة البيوت المظلمة لتوفير الكهرباء ربما كنوع من الرومانسية الإجبارية التي تفرضها انقطاعات التيار المتكررة وربما تكمن الرؤية الدولية التي نتحدث عنها في تحويل المواطن إلى خبير اقتصادي بالفطرة فالمواطن الجزائري اليوم هو الوحيد في العالم الذي يعرف سعر صرف الحليب في السوق السوداء ويدرك تماماً أن الندرة هي المحرك الأساسي لنمو الغضب فكيف لدولة من العالم الثالث تعجز عن توفير أدنى مقومات الحياة الكريمة لمواطنيها أن تتحول فجأة إلى منارة تضيء دروب التجارة الدولية؟ هل هي محاولة لتصدير نموذج الفشل باعتباره نجاحاً لم يفهمه الآخرون؟ حيث إن الحديث عن إثراء الرؤى الدولية في وقت يغرق فيه الزوالي في طوابير الذل والعار للحصول على كيس سميد ليس مجرد سخرية بل هو فن السريالية في أبهى تجلياته يبدو أن المسؤولين عندنا يعيشون في جزائر أخرى لا تنقطع فيها الكهرباء وتتدفق فيها المياه من الحنفيات عسلاً مصفى وتجارتها الدولية تزدهر فوق منصات الأحلام والوعود الزائفة عزيزي العالم خذوا منا كل الرؤى والخطابات والانتصارات الوهمية واتركوا لنا فقط حفنة ماء وكسرة خبز وإنترنت لا ينقطع بمجرد أن نعطس جراء رائحة مياه الصرف الصحي الكريهة…!
