الجزائر: طوابير الملح والسمك…عندما يصبح القوت اليومي رحلة بحث عن الكرامة المفقودة

الجزائر: طوابير الملح والسمك…عندما يصبح القوت اليومي رحلة بحث عن الكرامة المفقودة

في بلاد ميكي وعبيد الجنرالات لم تعد مشاهد الطوابير مجرد أزمة عابرة أو نقص مؤقت في مادة الزيت أو الحليب بل تحولت إلى نمط حياة مفروض بقوة القهر اليومي فبعد أن استنزفت طوابير السيولة والوقود أعمار المواطنين وصلت المأساة اليوم إلى أبسط مكونات المائدة الملح والخبز والسمك في مشهد يختصر عمق الانهيار الاجتماعي والاقتصادي الذي تغلغل في أوصال البلاد.

من كان يتخيل أن يأتي يوم على الجزائريين يصبح فيه كيس الملح المادة الأرخص والأكثر توفراً في الطبيعة حلماً صعب المنال؟ إن وصول الندرة إلى مادة الملح ليس مجرد خلل في التوزيع بل هو مؤشر خطير على شلل تام في المنظومة التجارية والإنتاجية لقد بات المواطن يقطع المسافات ويتنقل بين المحلات ليجد نفسه في نهاية المطاف وسط زحام وتدافع من أجل مادة لا يتجاوز ثمنها بضعة دينارات لكن قيمتها أصبحت تعادل الذهب في سوق الندرة والمضاربة والمأساة الأشد إيلاماً تتجلى في طوابير السمك فبلادنا التي تمتلك ساحلاً يمتد على طول 1200 كيلومتر تحول فيها السمك من وجبة شعبية إلى أمنية بعيدة المنال حيث ان المشاهد القادمة من الأسواق والموانئ المحلية تدمي القلب فالمواطنون في قمة كبريائهم يجدون أنفسهم مضطرين للتوسل للباعة والوسطاء للحصول على قطعة سمك في مشاهد تضرب كرامة المواطن في مقتل هذا الاستجداء ليس ناتجاً عن فقر مادي فحسب بل هو نتاج سياسات احتكارية وفشل في إدارة الثروات البحرية جعلت خيرات البحر حكراً على عصابات تتحكم في الأسعار والكميات بينما يكتفي المواطن البسيط بـ شم الرائحة أو الانتظار في طوابير الذل إن أخطر ما تنتجه هذه الطوابير ليس الجوع بل الاقتتال الاجتماعي عندما يتناحر مواطنون فيما بينهم من أجل كيس ملح أو قطعة سمك فإننا أمام عملية تفكيك ممنهجة لقيم التآخي والتضامن لقد نجحت الأزمة في تحويل المواطن من شريك في الوطن إلى خصم لأخيه المواطن في طابور الخبز أو السمك وهو الامر الذي يفرح المخنث تبون وعصابته لأجله و هذا الصراع اليومي على الفتات هو نتيجة طبيعية لسياسات التهميش والاستحواذ على الثروات حيث يُترك الشعب ليواجه مصيره في مواجهات يومية مهينة بينما تنعم عصابة الجنرالات ببحبوحة العيش بعيداً عن غبار الطوابير.