بين “بطولات” التبول في الرباط وصمت القبور في فيضانات الجزائر: مفارقة السقوط الإعلامي والأخلاقي
في مشهدٍ يختزل حالة “الشيزوفرينيا” السياسية والإعلامية التي تعيشها عصابة العسكر وأبواقها القذرة نجد أنفسنا أمام مقارنة لا تستقيم إلا في عالم العبث و هي قصة شابين: الأول اعتُقل في المغرب متلبساً بفعلٍ يندى له الجبين فصار “بطلاً قومياً” والثاني اعتُقل في وطننا لأنه نقل الحقيقة وصور وجع الناس امام العالم فصار “منسياً” خلف القضبان.
لا يزال صدى الضجيج الذي أحدثه اعلام الصرف الصحي حول قضية المشجع (رؤوف بلقاسمي) يتردد في الأروقة وبلقاسمي الذي لم يجد مكاناً لتفريغ فضلاته سوى مدرجات ملعب مولاي الحسن بالرباط في مشهد يفتقر لأدنى معايير التحضر تحول بقدرة قادر من “مخالف للقانون” إلى “ضحية مؤامرة مخزنية” و جُيشت البلاتوهات وسُودت الصفحات وارتفعت أصوات “الشعب المغبون” تنديداً باعتقاله وكأن الرجل كان يفتح القدس وليس يلوث ملعباً رياضياً هذا الاستنفار لم يكن حباً في رؤوف بل كان وقوداً جديداً لماكينة العداء تجاه الجارة الغربية في محاولة بائسة لتحويل سقطة أخلاقية فردية إلى قضية رأي عام دولي وعلى الضفة الأخرى من التناقض نجد المواطن (عبد الحق بوشريط )جرمه الوحيد لم يكن التبول في الأماكن العامة بل كان “الشهامة” في وقت ازمة رجال بوشريط حمل هاتفه ليوثق كارثة الفيضانات التي اجتاحت البلاد مظهراً بالصوت والصورة تقاعس السلطات واهتراء البنية التحتية وترك المواطنين يواجهون الموت غرقاً في “الجزائر القوة الضاربة” فكانت النتيجة صادمة للغاية امام صمت إعلامي مطبق وكأن بوشريط لم يكن موجوداً من الأساس و جبن جماعي حيث غابت حملات التضامن “المليونية” التي رأيناها مع بوال الرباط وبالمقابل زُج بالبطل عبد الحق في السجن بتهم جاهزة فقط لأنه كشف “عورة” العصابة التي عجزت عن حماية أرواح المواطنين من قطرات المطر ورياح الشتاء والمفارقة الصارخة هنا هي لماذا الصراخ هناك بالجارة والصمت هنا في بلدنا ؟ إن المقارنة بين الحالتين تكشف زيف الشعارات فبينما كان الإعلام العسكري يتباكى على “كرامة” مشجع بوال في الجارة المغربية كان يغض الطرف عن كرامة المواطن الجزائري التي تُسحق تحت أقدام العسكر وفي طين الفيضانات والأدهى من ذلك هو تلك المقارنة الحتمية مع الجيران ففي الوقت الذي تتعامل فيه الرباط باحترافية وهدوء مع الكوارث الطبيعية مسخرةً إمكانياتها لحماية مواطنيها (كما شهدنا في زلزال الحوز وفيضانات الجنوب) يكتفي نظامنا المبجل باعتقال والتنكيل بمن يصور الحقيقة تاركاً الشعب يواجه مصيره تحت رحمة الطبيعة وظلم البشر حيث “إن أمةً تدافع عن ‘متبول’ في الخارج وتصمت عن ‘مظلوم’ في الداخل هي أمة تعاني من خلل عميق في بوصلتها الأخلاقية يقودها نظام لا يقتات إلا على افتعال الأزمات مع الجيران للتغطية على كوارثه الداخلية.”
